ابن الجوزي

220

صيد الخاطر

والواقف السن فينبغي أن يحذر فضول الجماع ، فان حصل له مثل ما يخرج منه فأسرف ، فاللازم أخذ من الحاصل ، ويوشك أن يسرع النفاد . وأما الشيخ فترك النكاح كاللازم له ، خصوصا إذا زاد علو السن ، لأنه ينفق من الجوهر الذي لا يحصل مثله أبدا . ثم ينبغي أن ينظر العاقل في ماله فيكتسب أكثر مما ينفق ليكون الفاضل مدخرا لوقت العجز ، وليحذر السرف ، فان العدل هو الأصلح . ثم ينظر في الزوجة ، والمطلوب منها شيئان : وجود الولد ، وتدبير المنزل . فإذا كانت مبذرة فعيب لا يحتمل ، فان انضمت صفة العقر فلا وجه للامساك ، الا أن تكون مستحسنة الصورة ، فان ضم إليها عقل وعفاف حسن الامساك . وان كانت مما يحتاج أن تحفظ فتركها لازم . فأما الخدم فليجتهد في تحصيل خادم لا تستعبده الشهوة ، فان عبد الشهوة له مولى غير سيده . ولينظر المالك في طبع المملوك ، فمنهم من لا يأتي الا على الإكرام فيكرمه فإنه يربح محبته . ومنهم من لا يأتي الا على الإهانة فليداره . وليعرض عن الذنوب ، فإن لم يكن « 1 » عاتب بلطف ، وليحذر العقوبة ما أمكن وليجعل للمماليك زمن راحة . والعجب ممن يعنى بدابته وينسى مداراة جاريته ، وأجود المماليك الصغار ، وكذلك الزوجات . لأنهم متعودون خلق المشتري ، وليحفظ نفسه الهيبة من الانحراف مع الزوجة ، ولا يطلعها على ماله ، فإنها سفيهة تطلب كثرة الانفاق . وأما تدبير الأولاد فحفظهم من مخالطة تفسد ، ومتى كان الصبي ذا أنفة حييا رجي خيره . وليحمل « 2 » على صحبة الاشراف والعلماء وليحذّر من مصاحبته الجهال والسفهاء ، فان الطبع لص ، وليحذّر الصبي من الكذب غاية التحذير ، ومن المخالطة للصبيان . وليوصه بزيادة البر للوالدين . وليحفظ من مخالطة النساء فإذا بلغ فليزوج بصبية فينتفعان . هذه الإشارة إلى تدبير أمور الدنيا .

--> ( 1 ) أي فإن لم يكن اعراض . ( 2 ) أي الولد .